تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : الدلالات الاقتصادية لأوعية الزكاة ومقاديرها



من هناك
11-14-2011, 02:43 AM
الأوعية
أوعية الزكاة: السوائم، الزروع والثمار، النقود، عروض التجارة.
وللزكاة شروط منها ما يتعلق بالشخص، كالإسلام والبلوغ والعقل، ومنها ما يتعلق بالمال كالفضل والنماء والنصاب.
فالزكاة تفرض على الأموال النامية (= المنتِجة) ولا تفرض على أموال القنية. ومن ثم فالزكاة لا تأكل المال، لأنها جزء من النماء، فهي تخرج من النماء، ولا تخرج من أصل المال. وهي بهذا لا تعيق الأنشطة الاقتصادية. وبما أنها تفرض على الفضل إذا بلغ النصاب، ولا تفرض على أموال القنية، فإنها لا تؤثر على الحوائج الأصلية للمكلف ومن يعول.

المقادير
مقادير الزكاة: ربع العشر، نصف العشر، العشر.
ربع العشر على أصول الأموال كالنقود وعروض التجارة. ونصف العشر على الناتج (= الخارج) كالزروع والثمار المسقية، والعشر على الزروع والثمار البعلية. فمقدار الزكاة يراعي طبيعة المال: هل هو أصل أم نماء (ناتج)؟ فينقص إذا كان أصلاً ويزداد إذا كان ناتجًا. ومقدار الزكاة يراعي أيضًا المؤنة (= التكلفة) فيزداد إذا نقصت الكلفة، وينقص إذا ازدادت الكلفة. ومن ثم فإن مقدار الزكاة يكون معتدلاً يسدّ حاجة الفقير بدون أن يرهق المكلف.

الزكاة نسبية لا تصاعدية
وبذلك فإنها لا تفلّ عزيمة الممولين، ولا تثبط هممهم الإنتاجية، بما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج، ومن ثم انخفاض الإيرادات المالية.

مصاريف الجمع والتوزيع
المصاريف الإدارية للزكاة تسدّ من موارد الزكاة نفسها، لا من موارد أخرى، وقد حدد بعض العلماء سقف هذه المصاريف (العاملين عليها) بثمن الحصيلة، وأجر المثل. فإذا ارتفعت مصاريف الزكاة وانخفضت الحصيلة الزكوية إلى حد معين قد يصبح قيام الدولة بجمع الزكاة وتفريقها غير ذي جدوى.

التهرب
بما أن الزكاة تفرض على رأس المال، لا الدخل، فإن التهرب منها يكون أقل من التهرب من الضرائب الحديثة المفروضة على الدخل، فرأس المال غالبًا ما يكون من الأموال الظاهرة، والدخل مال باطن، فالربح الصافي لا يتم الحصول عليه إلا بعد تنزيل المصاريف من الإيرادات، وكلتاهما أمور باطنة! كما أن التهرب يكون فيها أقل، لأنها قائمة على ديانة الأفراد ومبدأ الاستخلاف.

الزكاة تُؤخذ من الأغنياء
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم وتُردّ على فقرائهم (البخاري). قد يبدو أن هذا الحديث بدهي، ولكنه لا يكون كذلك، بل ينقلب إلى حديث معجز، إذا علمنا أن التكاليف المالية الوضعية (الضرائب) في النظم الرأسمالية السائدة يدفعها الفقراء، ويتملص منها الأغنياء، سواء عن طريق التشريع أو عن طريق التنفيذ!

الزكاة لا تُدفع لغني
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مِرّة (= قوة) سويّ (أبو داود والترمذي وأحمد). هذا الحديث كسابقه قد يبدو أنه بدهي أيضًا، ولكنه ينقلب إلى حديث معجز إذا علمنا أن الحصائل الضريبية في البلدان الرأسمالية يستفيد منها الأغنياء أكثر من الفقراء، لأنها تصرف على البنى التحتية والمرافق الاقتصادية والسلع والخدمات العامة. أما الزكاة فلها ميزانية مستقلة وبيت مال مستقل يسمى بيت مال الزكاة، وإيرادات الزكاة مستقلة عن الإيرادات الأخرى، ومصارفها مستقلة أيضًا، ومحددة نصًا في القرآن.

الزكاة وسيلة لتحقيق كفاية الفقراء وليست وسيلة لثرائهم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المسألة لا تحلّ إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمّل حمالة (= كفالة) فحلّت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة (...) فحلّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو سدادًا من عيش (صحيح مسلم). وبهذا فإن الزكاة تزيد في دخول الأفراد ولا تزيد في ثرواتهم، وتقلل التفاوت بين الأغنياء والفقراء ولا تقضي عليه، كما أنها لا تقضي على الحوافز الاقتصادية لمن أراد أن يحقق وضعًا أفضل من مجرد سدّ الحوائج الأصلية.

تعظيم المنافع
ما تحدثه الزكاة من إعادة توزيع لصالح الفقراء لا بد وأن يؤدي إلى زيادة المنافع الاجتماعية. ذلك لأن المنفعة الحدية للنقود لدى الفقير أعلى منها لدى الغني. وهذا مبدأ علمي معروف في الاقتصاد ومعروف في الفقه أيضًا. يقول الإمام الشافعي: (قد يرى الفقير المدقع الدينار عظيمًا بالنسبة إليه، والغني المُكْثِر قد لا يرى المئات عظيمة بالنسبة إلى غناه). ولهذا أصل شرعي في الحديث النبوي: (سبق درهم مئة ألف درهم. قالوا: يا رسول الله كيف؟ قال: رجل له درهمان فأخذ أحدهما فتصدّق به، ورجل له مال كثير فأخذ من عُرض (= طرف) ماله مئة ألف فتصدق بها (سنن النسائي، والمستدرك). إن تضحية هذا الفقير بدرهم هي أعظم من تضحية هذا الغني بمئة ألف درهم. فالفقير تصدّق بنصف ماله، أما الغني فلم يتصدّق إلا بجزء يسير من ثروته الكبيرة!

الزكاة حق معلوم لا منّة فيه
قال تعالى: (والذين في أموالهم حقٌ معلومٌ للسائل والمحروم) المعارج 24-25. الزكاة حق معلوم لا منّة فيه من الأغنياء على الفقراء، لأن للفقراء حصة من الموارد الحرة الطبيعية التي يجب على الأغنياء أن يدفعوا حصة الفقراء منها، ومن ثم فإن الفقراء شركاء للأغنياء حتى يسددوا ما عليهم من زكاة.

الأحد 14/11/2011م
رفيق يونس المصري