تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : نكتة مصرية ! بقلم / علي الظفيري



أبو طه
12-27-2009, 07:25 PM
نكتة مصرية!
علي الظفيري
2009-12-27
للنكتة في مصر تاريخ طويل، ومعلوم أن ارتباطاً وتلازماً وثيقاً يُلحظ عادةً بين النكتة والاضطهاد السياسي، فكلما تعمق الاضطهاد والقمع في مجتمع ما، لجأ أهله إلى النكتة والسخرية في الرد على القمع والقسوة التي يتعرضون لها، وتزدهر الحالة عند انعدام الوسائل الأخرى كالمقاومة والعمل المسلح والاحتجاج وغيرها من الأمور، وتتعقد المسألة باندماج المضطَهد وانغماسه بالاضطهاد ليكون جزءاً منها، فتتعمم الحالة من اضطهاد السلطة إلى اضطهاد المجتمع لذاته، وقمع الطبقات الاجتماعية والأفراد لبعضهم البعض، هنا تصبح النكتة أكثر رواجا وانتشارا بشكل غير مسبوق.
النظام المصري منذ مطلع الثمانينيات وهو صاحب أكبر نكتة على الإطلاق، فقد استطاع طوال الفترة الماضية ملء الساحة السياسية بآلاف النكت، نكتٌ في كل اتجاه وعلى كل صعيد، في السياسة الداخلية والخارجية، في الأمن والمجتمع والاقتصاد، نكت إقليمية وعربية ودولية، وأخيراً النكتة الكبرى المسماة «الجدار الفولاذي»!
يصف وائل عبدالفتاح الكاتب المصري ما فعله النظام بأنه غرامٌ بالفولاذ، فولاذ من شأنه سدّ فتحات التنفس بين «الرفحين» المصرية والفلسطينية، وأحمد أبوالغيط -أنتم تذكرون أبوالغيط بالتأكيد!- أكّد على ضرورة عدم تدخل أي دولة في القرارات التي تتخذها مصر في الحفاظ على أمن وسلامة أراضيها، وأن من حق مصر إقامة أي إنشاءات داخل أراضيها، أو وضع أي أجهزة للتنصت، وأن ذلك أمر سيادي لا مندوحة عنه! والآن، وبعد هذا الهراء، هل تحتاجون إلى نكتة جديدة تبعثونها لأصدقائكم في رأس السنة؟ لا أظن، ابعثوا لهم: مصر تبني جداراً فولاذياً لتحمي أمنها القومي من الفلسطينيين المحاصرين في غزة!
صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية هي التي كشفت الخبر، ونفت الخارجية المصرية ذلك إلا أنها اضطرت فيما بعد للاعتراف والحديث عن سيادتها وأن لا دخل لأحد في التفاصيل، ولا أعرف سبب معرفة الصحف الإسرائيلية
على وجه الخصوص للتفاصيل الدقيقة في السياسة المصرية، ربما توفر لها مراسلون على مستوى عالٍ من التغلغل في دهاليز النظام المصري! وربما كان غير ذلك، عموما هي ليست المرة الأولى التي تكشف فيها صحيفة إسرائيلية ما خفي من القرارات المصرية، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة.
قررت هنا أن لا أحكي عن الجدار وتفاصيله، فالأخبار لمن أراد كثيرة ومفصلة، ولا حاجة لنقد السياسة الخارجية المصرية، فالكتاب المختصون والمصريون منهم على وجه الخصوص أشبعوا الأمر بحثا ونقاشا، وينصح بمراجعة ورقة للدكتور حسن نافعة عن سياسة مصر الخارجية في مركز الجزيرة للدراسات لخصها بالعبارة التالية: «إن نظرة عابرة على ما يجري في المنطقة من تفاعلات في المرحلة الراهنة تكفي للتوصل إلى نتيجة مفادها أن سياسة مصر الخارجية باتت عاجزة عن تأمين وحماية مجالها الحيوي، سواء على جبهة الجنوب أو على جبهتها الشمالية الشرقية»، لذا دعونا من السياسة ولنرصد أهم النكات التي أطلقها النظام المصري في العام الماضي.
بداية العام اشتعلت حرب بجوار مصر وعلى حدودها بين إسرائيل وسكان غزة، لم يستطع النظام المصري أن يقف على الحياد فاضطر –مُكرَهاً- للوقوف مع إسرائيل! ولكن إسرائيل لم تصمد في حربها المكلفة سياسيا واقتصاديا وأخلاقيا، فصمد النظام المصري وأطلق أكبر نكاته، استمر في محاصرة القطاع، ابتزّ حركة حماس عبر ورقة إسرائيلية أميركية غرضها الوصول إلى النتائج التي لم تتحقق من حرب غزة، قام مؤخرا ببناء الجدار الفولاذي لحماية الأمن المصري، لا شيء له علاقة بالفولاذ في المواقف الرسمية المصرية سوى ما يتعلق بالفلسطينيين وحقوق المصريين الفقراء بالداخل -عبّارة السلام وجبل المقطم مثالاً-!
نكتة أخرى، إسرائيل أكبر قوة عسكرية في المنطقة، لديها ما يزيد على 400 قنبلة نووية، ولكنها ليست الخطر.. إيران هي الخطر الأكبر، يقول النظام المصري!
مصر في نهاية الخمسينيات والستينيات الميلادية كانت الضامنة في الملف اللبناني بين الفرقاء
هناك، وكان لديها جيش في اليمن، وكان
قادة إفريقيا وآسيا والعالم العربي ينتظرون موعداً في «بيت منشية البكري»، مصر في العام 2009 ترى أن عنصرا من حزب الله يقاوم إسرائيل خطرا على أمنها القومي، ويهدد أبوالغيط وزير خارجيتها -تعرفونه طبعاً- بتكسير أقدام الفلسطينيين إن دخلوا أراضيها لشراء حاجياتهم!
النكت النظامية المصرية لا تنتهي، مجلس القيادة الأعلى يجتمع لبحث نتيجة مباراة مصر والجزائر، أبناء الرئيس يجعجعون في
وسائل الإعلام ويطالبون بالثأر، لم يبق متردية ولا نطيحة في الإعلام المصري إلا واستخدمه النظام لتأجيج الشارع، جعلوا من المباراة مسألة كرامة وعزة، وهنا ينصح بقراءة مقال ربى عطية في الجزيرة.نت بعنوان «الأنا المهزومة ونماذج الخلاص»، كانت تلك النكتة الأكثر إيلاماً في العام الماضي.
العام الجديد يحتاج نكتا جديدة أيضا، لا تحزنوا، فلجنة السياسات في الحزب الوطني الحاكم لديها الكثير، ربما تفتق ذهنها عن نكتة إعلان الحرب على قطاع غزة دفعة واحدة بدل «القطاعي»، فتزيح عن قلبها هذا الهمّ وتريحنا، المهم أن لا تكون الحرب بقيادة أبوالغيط.