تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : معضـــــلة «الناتو» في أفغانســــــــــــتان



ابوخالد عبدالله
09-15-2009, 09:10 PM
معضلة «الناتو» في أفغانستان


بعدما كانت في البداية محط إجماع الرأي العام في الدول الغربية، باتت الحرب في أفغانستان اليوم مثار جدل واسع، يعكسه النقاش المحتدم حالياً على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون المشككة في الحرب تارة، والداعية إلى انسحاب سريع تارة أخرى.

وقد زادت حدة السجال مؤخراً، عندما بدأت تتعالى بعض الأصوات في الولايات المتحدة محذرة من تعذر تحقيق النصر في حرب طويلة ومستمرة مثل تلك الدائرة رحاها في أفغانستان، وهو ما تؤكده أيضاً استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن 65 في المئة من الأميركيين يعتقدون بأنهم سينسحبون من أفغانستان دون بلوغ الأهداف المرجوة، أو إحراز النصر الموعود، في مقابل 35 في المئة فقط يرون أن بلادهم قادرة على قلب نتيجة الحرب لصالح التحالف الغربي والتخلص نهائياً من التمرد الذي تقوده «طالبان»؛ هذا النقاش لم يقتصر فقط على الساحة الأميركية، بل امتد أيضاً إلى أوروبا، وهو إن كان خافتاً في فرنسا، إلا أنه واضح في بريطانيا التي تشارك بقوات أكبر في التحالف الدولي واعتادت في العقود الأخيرة الاصطفاف مع الولايات المتحدة في سياستها الخارجية.

وتبقى ألمانيا البلد الأكثر تأثراً بحرب أفغانستان بالنظر إلى الانتخابات العامة التي ستشهدها البلاد في 27 من الشهر الجاري ومعارضة القوى السياسة للحرب باستثناء المستشارة أنجيلا ميركل التي تراهن على تغير الوضع الأمني المتردي لدعم حظوظها بالاستمرار في منصبها.

ومن بين القضايا الملحة التي تشغل بال القيادات السياسية في الغرب وتؤلب الرأي العام ضد الحرب ارتفاع الضحايا المدنيين ، بسبب القصف الجوي الذي تقوم بها قوات حلف شمال الأطلسي لمناطق المتمردين، ففي الوقت الذي تسعى فيه قوات التحالف الدولي إلى تعقب عناصر «طالبان» وتحرص على جمع المعلومات الاستخباراتية التي تدل على مواقعهم تظل معضلة القتلى المدنيين مشكلة تؤرق المسؤولين وتؤثر على نتائج الحرب، لا سيما في ظل لجوء «طالبان» للاختباء وسط المدنيين واتخاذ التجمعات السكنية مكاناً للاستقرار.

ورغم الأصوات التي نسمعها في وسائل الإعلام والداعية إلى وقف الضربات الجوية والكف عن إزهاق المزيد من الأرواح، لا يرى القادة العسكريون بداً من مواصلة القصف الجوي للضغط على التمرد وتحجيم تحركه، وهو ما عبر عنه مستشار الأمن القومي الأميركي، جيمس جونز، الذي استبعد تماماً إمكانية وقف الضربات الجوية التي تنفذها طائرات من دون طيار في حين تواصل عناصر «طالبان» تقدمها في الميدان، مؤكداً في الوقت نفسه حرص القوات الأميركية على جمع ما يكفي من معلومات دقيقة واستخدام أفضل ما توصلت إليه التكنولوجيا العسكرية للتقليل من الضحايا المدنيين واستهداف نقاط بعينها تضيق هامش الخطأ. لكن من غير الواقعي التعهد بعدم سقوط ضحايا مدنيين، التي تعرف في اللغة العسكرية بالأضرار الملازمة، وهو ما يفاقم التداعيات السياسية السلبية للحرب، فرغم الدور المهم أحياناً للضربات الجوية في اصطياد عناصر ثمينة من «طالبان» مثل القيادي، «بيت الله محسود»، الذي لقي حتفه في قصف جوي أميركي على إحدى المناطق، لا تصب النتيجة النهاية لاستمرار مقتل المدنيين في المصلحة العامة للحرب.

فمعروف أن الحرب الأفغانية تخاض على جبهتين:
الجبهة العسكرية التي تحتفظ فيها قوات التحالف بتفوق كاسح، وجبهة الرأي العام الداخلي الذي حققت فيه «طالبان» مكاسب مهمة ليس لجهد استثنائي تقوم به، بل بسبب تلك الضربات الجوية التي لا تفرق بين مسلح ومدني.

وبهذه الطريقة تكون الحرب في أفغانستان قد دخلت في حلقة مفرغة إذ كلما حرصت قوات التحالف الغربي المنشرة في البلاد على تأمين حياة جنودها بعدم الزج بهم في أتون المعارك الشرسة، تنتهي عادة بسقوط أعداد من القتلى في صفوفهم، وكلما لجأت إلى القصف الجوي السهل، غاصت شعبية المجهود الغربي في الحضيض، وتصاعدت الشكاوى الدولية والمحلية من الأضرار التي يتكبدها المدنيون، والنتيجة هي تحقيق «طالبان» لمكاسب إضافية باستمالتها للمزيد من المتعاطفين، بل ولتجنيدها عناصر مستعدة لحمل السلاح ومقاتلة القوات الأجنبية.

ولتفادي هذه المشكلات، رجع العديد من العسكريين الأميركيين إلى التاريخ علَّه يمدهم ببعض الدروس في مكافحة التمرد ومواجهة حرب العصابات، حيث كان لافتاً في هذا السياق، إشارة بعض القادة العسكريين إلى نموذج المارشال ليوطي في المغرب خلال فترة الحماية الفرنسية وأسلوبه في التقرب من السكان والنزول إلى الشوارع، بدل الجلوس في مكتب الإقامة العامة الفرنسية، لكن من الصعب نقل نموذج التواجد الفرنسي في المغرب وتعميمه على أفغانستان بسبب اختلاف الظروف وطبيعة الانتشار العسكري للقوتين الفرنسية والأميركية.

فخلافاً للماريشال ليوطي الذي كان في إمكانه التحرك بحرية نسبياً في المناطق الحضرية على الأقل، لا تستطيع قوات «الناتو» بتعدادها الذي يصل إلى مائة ألف جندي منهم 62 ألف أميركي والمدججة بمختلف أنواع السلاح التحرك بحرية وسط عداء السكان الواضح.

وإذا كانت الخيارات الاستراتيجية المطروحة حالياً محدودة بالنسبة لحلف شمال الأطلسي، فما العمل إذن للخروج من الحرب بأقل الخسائر وبلوغ النصر المنتظر؟ لقد بات من غير الواقعي إيقاف الضربات الجوية بدعوى الحد من الضحايا المدنيين لضرورتها في وقف تمدد «طالبان»، ولا يمكن أيضاً تطمين الأطراف الأفغانية بتراجع القتلى في صفوف المدنيين ليبقى السؤال: كيف يمكن الانتصار في الحرب؟ من الصعب القطع بإجابة شافية، لكن من الواضح أن الوقت ليس في صالح قوات التحالف، وبأن مكاسب «طالبان» تتعاظم يوماً عن يوم، لا سيما بعد سيطرتها على مساحات واسعة من البلاد، والخوف إنه إذا طال الوقت دون تحقيق نتائج أن تتحول أفغانستان من حرب «الضرورة» كما أطلق عليها أوباما إلى حرب «اختيارية» يفرضها تراجع التأييد الشعبي الأميركي والأوروبي فتخرج قوات التحالف الغربي من أفغانستان بخفي حنين.








باسكال بونيفاس
مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية ـ باريس