تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : قراصنة الصومال: لم يهربوا من مسلسل "جزيرة الكنز"



من هناك
12-01-2008, 04:04 AM
إذا كنت تقرأ عن قراصنة الصومال هذه الأيام وفي بالك صورة قرصان له قدم خشبية ويد كالصنارة وأسنان بشعة ويضع عصبة سوداء على احدى عينيه وحلقاً في اذنيه ويعتمر قبّعة عليها رسم جمجمة وعظمتين ويرفع في يده السليمة سيفاً مقوّساً، فالأفضل ان تنسى ما في بالك. هذه صورة نمطية كاريكاتورية للقراصنة روّجها بعض الأفلام والشرائط المصورة.
واذا كنت تقرأ عن قراصنة الصومال هذه الأيام وفي بالك صورة قرصان شاب جميل يرتدي ثيابا ملونة جذابة يعشق الحرية ويعيش حياة مليئة بالمغامرات والغراميات ينقذ الاولاد والنساء من الشريرين، فالافضل أيضا أن تنسى ما في بالك. هذه صورة رومنطيقية عن القراصنة روّجتها افلام هوليوود وديزني وآخرها سلسلة "قراصنة الكاريبي" ولاعلاقة لها اصلا بحياة القراصنة.

إنس كل ما في بالك عن القراصنة. كابتن هوك. كابتن كوك. كابتن كيد. حتى كابتن جاك سبارو. وانسَ قصص "بيتر بان" و"جزيرة الكنز" و"سندباد" وافلامها. حتى "قراصنة الكاريبي". وإنس السفن الشراعية التي ترفع ثلاث صواري واعلاماً سوداً عليها جماجم. وانس العاب الفيديو التي تحرك بها القراصنة كما تشاء. فما يحصل قبالة سواحل الصومال الآن لا علاقة له بأي صورة نمطية عن القراصنة ولا حتى يقترب مما كانت حقيقة حياة القراصنة المشهورين لا في اسلوبها ولا في أدواتها ولا حتى في غنائمها. وما يتابعه العالم يوما بيوم هو ظاهرة لا سابق لها في القرصنة البحرية. حوّلت بعض مرافئ المدن عملياً مستودعات لسفن مخطوفة وحوّلت النشاط الاقتصادي الاول للمدن المعنية نفسها "بيزنس" لتلبية حاجات البحارة الرهائن في انتظار وصول الفدية "الكنز". ولا احد يدري اين "تُدفن" هذه الكنور لكن الاكيد أن جزءا منها ينفق على هذه الصناعة الجديدة ودورتها المربحة فيما تظهر علامات الثراء في المدن.

فما هي القرصنة ومن هم القراصنة أساساً؟ كيف تطورت هذه المهنة ومن هم قراصنة هذا الزمن وكيف يعملون؟
التاريخ يروي الكثير عن القرصنة. هي موجودة منذ بدأ الانسان الابحار وتحميل بضائع ثمينة وغير ثمينة في سفن وقد اتخذت أشكالاً وأساليب مختلفة. يقال انها بدأت قبل بناء الأهرام وان حضارات كثيرة ودولاً كثيرة مارستها أو اختبرتها بطريقة او بأخرى. الاغريق. الفراعنة. الفينيقيون. الرومان وغيرهم في كل انحاء العالم وفي العصور المتتالية. قبل اكثر من قرن قبل الميلاد سيطر قراصنة كيليكيا على البحر المتوسط. ويروى أن يوليوس قيصر كان احدى ضحايا القرصنة خلال رحلة في بحر ايجه وانه بعد احتجازه طلب من القراصنة أن يرفعوا قيمة الفدية من 20 طالنا ذهبية الى 50 على الاقل اعلاء لقيمته. وبعد دفع الفدية واطلاقه، جرّد اسطولا تعقّب القراصنة وقتلهم. وشهدت القرون الاولى بعد الميلاد عمليات قرصنة واسعة نفذها القراصنة الغوطيون على طول شواطئ البحر الاسود وبحر مرمرة ولاحقا على شواطئ بحر ايجه وقد وصل القراصنة الى جزيرتي قبرص وكريت.

وفي أوروبا القرون الوسطى اشتهر القراصنة الفايكينغ وهم مقاتلون من اسكندينافيا أرهبوا أوروبا الشمالية بين القرنين التاسع والحادي عشر ووصلوا الى اشبيلية وايطاليا وشمال افريقيا. وتوسعوا في قرصنتهم الى شواطئ البلطيق وشرق اوروبا حتى البحر الاسود وبلاد فارس. وفي البحر المتوسط كان هناك القراصنة البربر وقراصنة عرب حكموا البحر طويلاً وفي شرق آسيا كان قراصنة الصين يسيطرون على المياه.

ولعل ما يسكن المخيلة الشعبية عن القراصنة هو صورتهم الغربية التي تعولمت أساساً بفضل القصص والسينما والانترنت وهي تحكي عما يسمى العصر الذهبي للقرصنة. وقد بدأت هذه الفترة بعد رحلة كريستوفر كولومبوس الى العالم الجديد في 1490 واستمرت نحو 250 سنة حتى مطلع القرن الثامن عشر. وقد سيطرت فيها البحرية الاسبانية على منطقة الكاريبي الغنية بالذهب والفضة وغيرها من الثروات. لكن دولاً عدة في أوروبا مثل فرنسا وهولندا وخصوصاً بريطانيا أغاظها هذا الامر وأرادت موطئ قدم في الكاريبي يضرب القوة الاسبانية ويضمن لها بعض الثروات. فكلفت مرتزقة ينفذون لها أهدافها من غير ان تضطر الى تمويل قوة بحرية كبيرة وخوض معارك واسعة. ويقال إن ثروات الكاريبي كانت مغرية الى حد ان الخط الفاصل بين المرتزقة والقراصنة تلاشى عملياً. لكن الأدق القول ان المرتزقة كانوا قراصنة مكلّفين رسمياً من حكومات مثل هذه الاعمال وكانوا يتقاسمون الغنائم معها.
من اوائل الذين اشتهروا في تلك الفترة كان البريطاني السير فرنسيس درايك الذي بدأ العمل عام 1570 وكان قرصاناً مكروهاً لدى الاسبان ولكن بطلاً في انكلترا الى حد أن الملكة اليزابيت خاطبته ذات مرة "عزيزي القرصان" ومنحته سيفاً خاصاً، وكان عاد بغنائم الى الخزانة قيمتها 300 الف باوند واحتفظ لنفسه بعشرة آلاف. ومنهم أيضا البريطاني هنري مورغان الذي عهدت اليه الحكومة البريطانية لجامايكا في شن هجمات على الاسبان. وقد نهب مورغان وفريقه مستوطنات في كوبا وبناما وفنزويلا. واكتسب سمعة استراتيجي عسكري ماهر ولكن متوحش وقاس يعلّق الرجال من اعضائهم التناسلية كي يعطوه كل ما يملكون. وقد منحته الحكومة لاحقا لقب فارس وعينته حاكماً لجامايكا.

وبرزت شخصيات اسطورية نُسجت حولها مسرحيات وافلام بينها ادوارد تيتش، المرتزق البريطاني السابق الذي صار يعرف باسم "بلاك بيرد" (ذو اللحية السوداء) وبارثولوميو روبرتس الذي عرف باسم "بلاك بارت" الذي استولى على مئات من السفن في مهنته القصيرة. وجاك راكمان الذي عرف باسم "الكابتن كاليكو" نسبة الى زيه الملون. ومعه اشتهرت قرصانتان اثبتتا ان البحار لم تكن للرجال وحدهم وقد ابحرتا تحت علم كاليكو: آن بوني وماري ريد. ومع ان الافلام أبرزت صفاتهما الانثوية، الا أن الحقيقة انهما عاشتا متنكرتين في زي الرجال وقلة فقط عرفوا انهما امرأتان.
وزادت الافلام الاسطورة. صوّرت القراصنة متمردين اذكياء يعشقون الحرية وصورت حياتهم مصدر الهام للحرية والمغامرة واللهو والربح. لكن الواقع لم يكن كذلك عموما. صحيح انه كان لهم نظام أقرب الى الديموقراطي على السفينة بحيث ينتخبون القبطان أي القرصان القائد ومساعده ويختارونهما على اساس قدراتهما القيادية ومهاراتهما البحرية، وكان للقراصنة عموما ولكل سفينة خصوصاً مدونة سلوك ونظام لتقاسم المغانم، لكن حياة قراصنة العصر الذهبي لم تكن ساحرة أو فاتنة.

القراصنة اساساً منتهكون للقانون. كانوا ملاحقين ومطاردين باستمرار ومنبوذين في المجتمع، ومتى وقعوا في الأسر كان مصيرهم الشنق وغالباً ما كانوا يتركون معلقين الى أن تهترئ جثثهم. حياتهم كانت عموماً قصيرة. اذا لم يموتوا شنقاً كانوا يموتون في اشتباك أو نتيجة مرض غالبا ما كان الكوليرا. فحتى وليم كيد "كابتن كيد" الذي ولد في اسكوتلندا وانتقل الى أميركا حيث مارس القرصنة على شواطئها وفي الكاريبي والمحيط الهندي واكتسب سمعة من الاسوأ في تاريخ القرصنة حتى تحول اسطورة وقيل انه كان من قلة دفنوا كنوزاً كثيرة، انتهى مشنوقاً في لندن عام 1701. و"كابتن كاليكو" شنق في جامايكا عام 1720، فيما يقال ان آن بوني وماري ريد أفلتتا من الشنق لانهما كانتا حاملين. و"بلاك بيرد" الذي كان يثير الرعب حوله لمجرد ظهوره قتل وهو في الثامنة والثلاثين من عمره خلال معركة مع سفينة خصم له وبعد قتله قطع خصمه رأسه وتركه يتدلى من الصاري.

ولم تكن حياة القراصنة رومنطيقية. كانت حياة قسوة وفقر فيها الكثير من الامراض والكثير من الملل. السفن لها روائح كريهة. مليئة بالجرذان والحشرات. الطعام محدود وكذلك الماء وثمة روايات عن ان كثيرين لم يكونوا يأكلون سوى الموز والليمون الا في المناسبات. وعلى عكس الاساطير، فقلة منهم فقط دفنوا كنوزاً. والسبب أن "الكنوز" كانت في الغالب طعاماً وماء وكحولاً وأسلحة او ثياباً واغراضاً منزلية وحبالاً ومراسي . واذا غنموا صيداً سميناً فكانوا في الغالب ينفقونه في ميناء رويال بجامايكا الذي تحوّل بعدما استولت عليه انكلترا في 1655 ملاذاً آمنا للقراصنة ومكاناً تجمعت فيه الثروة وكل أشكال الفسق حتى اطلق عليه وصف مدينة الشر.

هل صارت مدينة ايل الصومالية حيث تحتجز السفن، جامايكا هذا الزمن؟

لعلها المرة الاولى منذ انتهاء العصرالذهبي للقرصنة يرتبط اسم مدينة بالقرصنة كما يرتبط الان اسم ايل مع اختلاف ظروف القرصنة وطبيعتها وانفاق الغنائم.
فالقرصنة تراجعت تدريجاً في القرنين 18 و19 أمام تطور قدرات القوى البحرية ولا سيما منها البريطانية والاميركية وتطور المحركات البخارية، لكنها لم تختف كليا. واستمرت حتى أواخر القرن العشرين عمليات محدودة متفرقة في بؤر في انحاء العالم وخصوصاً في المياه بين المحيطين الهندي والهادئ وفي القرن الافريقي وخليج ملقة وقبالة سواحل ماليزيا واندونيسيا وسنغافورة. ولكن منذ نهاية الحرب الباردة بدأ العالم يشهد ولادة القرصنة الحديثة قبالة الصومال. مع انها كانت تتراجع على المستوى العالمي. فماذا حصل؟

لنعد الى البدايات ونضعها في اطارها. بدأت القصة مع سقوط نظام محمد سياد بري في 1991. دولة مساحتها 638 الف كيلومتر مربع تملك اطول شاطئ في افريقيا طوله 3025 كيلومتراً وتملك ثروة سمكية. دولة فقيرة غارقة بالاسلحة التي اغدق بها عليها الاميركيون والسوفيات فغرقت في حرب أهلية وفوضى. ومع هذا الانهيار بدأت سفن صيد تابعة لدول اجنبية تغزو مياهها بطرق غير شرعية وتصطاد بطرق غير شرعية وتنهب الثروة من السمك ولاسيما سمك الطون ومن القريدس وغيره من ثمار البحر.
تحرك الصيادون أولاً في الساحل الجنوبي للصومال. أرادوا حماية رزقهم فصاروا يخرجون الى البحر باسلحتهم ويعترضون السفن الغازية ويفرضون عليها خوة. وشيئاً فشيئاً بدأت هذه العمليات تنتقل الى الساحل الشمالي لترسو في منطقة أرض البنط (بونتلاند).
تقع هذه المنطقة شمال شرق الصومال وهي تحمل اسماً فرعونياً يعني أرض اللبان. وقد اعلنها قادتها عام 1998 منطقة حكم ذاتي لكنها ليست مثل ارض الصومال المجاورة لها التي اعلنت استقلالها عام 1991 . فلا مطامع انفصالية لارض البنط بل تريد ابقاء الحكم الذاتي في ظل نظام فيديرالي ينص عليه الدستور الحالي. مساحتها 250 الف كيلومتر مربع وعدد سكانها يقارب ثلاثة ملايين ولها شاطئ طوله 1600 كيلومتر. وضعها الاقتصادي مشابه لوضع باقي الصومال وتاريخيا تحصل على الدعم الاقتصادي والسياسي من اثيوبيا المجاورة التي غزت الصومال المرة الاخيرة في 2006.
في هذه المنطقة بدأ الصيادون يحصلون على الخوة، وتدريجاً بدأوا يدركون ان اعتراض السفن يمكن ان يعود عليهم بارباح تفوق ما يحصلونه من الصيد. وحصلت عملية عام 2001 غيرت مسار الامور في أرض البنط: خطف صيادون محليون سفينة صيد اجنبية ولم يطلقوها قبل ان يحصلوا على فدية قيمتها 500 الف دولار. ويروى ان هؤلاء الصيادين- الخاطفين استخدموا المال لبناء فندقين ضخمين في مدينة غارووي، عاصمة أرض البنط، وتركا مهنة الصيد، ويقال القرصنة ايضاً.

في أي حال، أطلق مال الفدية الذي حصلوا عليه طموحات شباب نشأوا في ظل حرب أهلية وفوضى بالكاد التحقوا بالمدارس وكبروا عاطلين عن العمل لا يرون أفقاً للمستقبل. انطلقوا الى البحر. وظلت عمليات القرصنة محدودة، خصوصاً ان ميليشيات المحاكم الاسلامية التي استولت على الحكم في الصومال استهدفت القراصنة وأرعبتهم. الا ان الامور تغيرت كثيراً بعد الغزو الاثيوبي منتصف 2006. سقطت المحاكم الاسلامية وتولى الرئاسة الموقتة للصومال عبد الله يوسف ابن ارض البنط الذي كان هو نفسه اعلنها في 1998 منطقة حكم ذاتي.

ساهم طرد "المحاكم" في تكريس القرصنة نشاطاً أول في أرض البنط. فبعدما كانت تستعيد دورتها في 2005، كانت ارض البنط وتحديدا مدينة ايل تتحول مغناطيساً لامراء حرب ومقاتلين من أجل الاستفادة وتوسيع العمل. وواضح ان العمل توسع كثيرا. فبعدما كان مكتب الملاحة الدولي وثق اقل من 10 عمليات قرصنة في 2004 قال انها ارتفعت الى 25 في 2007. لكنها بلغت الذروة هذه السنة اذ ارتفع عدد العمليات الى نحو 100 نجح القراصنة في 40 منها في خطف السفن واحتجاز طواقمها. ويوم خطفوا ناقلة النفط السعودية "سيريوس ستار" قبل أيام، انضمت الى 16 سفينة و250 بحارا كانوا لا يزالون محتجزين في انتظار دفع الفدية. والتوسع لم يكن في عدد العمليات فحسب بل في نوعيتها. فخطف ناقلة النفط هذه كان تحولاً جديداً اذ كانت الاضخم تحتجز حتى الان فيها حمولة مليوني برميل من النفط قيمتها أكثر من 100 مليون دولار. والاهم انها كانت على مسافة 450 ميلا جنوب شرق شاطئ كينيا اي على الاقل ضعفي المسافة من ابعد نقطة هاجمها القراصنة حتى الان.

وبمعزل عن الابعاد السياسية لعمليات القرصنة هذه وعن الجهود الدولية لمكافحتها وعن آفاق الكسب فيها خصوصا انها تتمركز على مدخل خليج عدن حيث تعبر 20 الف سفينة سنويا و30% من نفط العالم وحيث الطريق الى قناة السويس، تشكل عمليات القرصنة هذه نموذجاً جديداً في مهنة القرصنة.
القراصنة لا يجوبون البحار بحثاً عن فريسة بل ينتظرونها عمليا الى ان تصل اليهم فيتحركون. القراصنة لا يحملون سيوفاً ولا سكاكين بل رشاشات وصواريخ محمولة على الاكتاف. القراصنة لا يضطرون الى التكهن بتحركات السفن اذ لديهم احدث أجهزة المراقبة والاتصالات البحرية واجهزة تحديد المواقع عبر الاقمارالاصطناعية (جي بي اس). القراصنة لا ينتظرون اياماً أو شهوراً ليتلقوا رسالة أو يطلبوا المساعدة اذا احتاجوا اليها اذ لديهم الهواتف الخليوية الاكثر تطوراً. القراصنة لا يبحثون عن كنز قد يجدونه او لا يجدونه اذ يعرفون من البداية ان الكنز هو الفدية التي يطلبون وان الشركات المالكة للسفن لا تزال تدفع. ويعتقد ان "كنزا" ربما تجاوز مئة مليون دولار وقع في ايديهم هذه السنة.

ومع ان المعلومات المتوافرة عن أسلوب عمل هؤلاء القراصنة لا تزال محدودة نسبيا وكلها مستقاة من تحقيقات صحافية وشهادات سكان أو قراصنة أنفسهم، فإن تركيب سيناريو عملهم بات ممكنا:
شهود في ايل يقولون إن كل مجموعة من القراصنة تتألف من ثلاث فرق عملياً او تجمع ثلاث خبرات: صيادين سابقين هم العقل لانهم يعرفون البحر جيدا، مقاتلين سابقين هم العضلات لان لديهم الخبرة، خبراء تقنيين يعرفون العمل على الكومبيوتر وتشغيل المعدات التكنولوجية المتطورة من الهواتف الى "جي بي اس" والكومبيوترات معدات عسكرية.

بعد أن يحدد القراصنة الهدف ينتظرونه في عرض البحر في ما يسمى "الباخرة الأم" وهي باخرة صيد كبيرة تحمل زوارق سريعة صغيرة. ومتى اقترب المسافة المطلوبة ينطلق المهاجمون بالزوارق السريعة وعادة لا يتجاوز عددهم عشرة أشخاص. ويرسل المهاجمون أحياناً اشارات استغاثة أو رسائل تقول إنهم عالقون وهكذا يستدرجون السفن ثم يهاجمونها بالرشاشات و "الار بي جي". وما لم تتمكن السفينة الهدف من المناورة بسرعة والابتعاد، فانهم يصعدون اليها بالحبال والسلالم ويسحبونها الى المياه الصومالية.

ومتى صعدوا اليها تكون انضمت اليهم مجموعة اخرى بحيث يبلغ العدد على السفينة نحو 50 قرصانا. يقتاد الخاطفون السفينة الى مرفأ ايل عادة وينقلون الرهائن الى الشاطئ حيث يجري الاهتمام بهم الى حين دفع الفدية. ولكن قبل ذلك وفي لحظة خطف السفينة يكون فريق دعم من نحو 50 قرصانا آخر ينتظر على الشاطئ تحسبا لاي طارئ او خطأ يلحق بالعملية.
والروايات تقول إنه ما ان يشيع خبر الاستيلاء على سفينة جديدة في ايل حتى تشهد المدينة حركة مختلفة. يهرع السكان الى المرفأ لمتابعة الحدث لكن كثيرين يصلون لتأدية دورهم. ويصلون متأنقين وبسيارات جديدة من نوع "لاند كروزر" وغيرها مثلها ومعهم أجهزة كومبيوتر واتصالات. بينهم مثلا من يقول إنه محاسب القراصنة وبينهم من يقول انه المفاوض الاول للقراصنة وعليه اتمام الصفقة مع الشركة مالكة السفينة. وهكذا.

لكن الامر لا ينتهي هنا. العمل يبدأ في مواقع اخرى صارت ترتبط بالقرصنة وملحقاتها من أماكن احتجاز الرهائن الى مطاعم لتأمين وجبات الطعام لها. فإبقاء الرهائن في ظروف جيدة هو مفتاح الكنز. والكنز غالبا "ما يهبط من السماء". المعلومات تفيد ان أموال الفدية تصل في أكياس من الخيش تلقى من طائرات هليكوبتر أو توضع في حقائب مضادة للمياه في زوارق ضعيرة جدا ليتسلمها القراصنة. وبعد تسلِّمها يمررونها في آلات هي الأحدث لعدّها وللتأكّد من انها ليست مزورة.

وهكذا بحسب الروايات صارت مدينة ايل مفصلة على قياس مهنة القرصنة ومتطلباتها واقتصادها يزدهر وكذلك اقتصاد العاصمة غارووي. ومع ان احداً لا يعرف تماما بعد كيف توزّع الغنائم، فالواضح ان المال بات متوافراً وخصوصا في هاتين المدينتين وان القرصنة التي لم تكن مقبولة في المجتمعات السابقة صارت مقبولة هناك، بل يقال إنها صارت موضة تكسب الشباب مالاً وسلطة فيزدادون قوة ونفوذاً في بلد يعيش نصف شعبه تقريباً على مساعدات غذائية واكثر من 70% منه على دولارين يومياً. وينعكس هذا الوضع على المدينتين اذ بدأت "النخبة" الاقتصادية الاجتماعية الجديدة تبني منازل ومباني حديثة بين الاكواخ وتقود سيارات فخمة وتنفق على رفاهيتها.

هذا الواقع الجديد يروق كثيرين في أرض البنط ولا سيما في غارووي وايل لانه ضخ مالاً في الاقتصاد وأوجد وظائف كثيرة جديدة وساعد في الدرجة الاولى في شراء مولدات كهربائية باتت تسمح بوجود الكهرباء 24 ساعة بعدما كان ذلك من الكماليات التي يحلم بها السكان. وكثيرون آخرون لا يعجبهم ما يحصل لان أعمال القرصنة جلبت معها عدداً متزايداً من المسلحين وادت الى مزيد من التلاعب بأسعار صرف العملات والى مزيد من استهلاك الكحول والمخدرات.

هذا فقط في اسلوب عمل القراصنة والنتائج المباشرة لعملياتهم لا في امتدادات القرصنة ولا في عواقبها على الشحن البحري والتجارة العالمية والصومال نفسها. ولعل اطرف ما في الامر ان قراصنة البحر هذا الزمن لا يزالون متمسكين باعتبار أنفسهم حرس شواطئ. ولكن اياً تكن التسمية التي يطلقونها على أنفسهم، فانهم يحددون معالم مرحلة جديدة من القرصنة تتيح لها التكنولوجيا وما بلغه التطور في عالم الاتصالات وتحديد المواقع قاعدة ذهبية كان بالتأكيد يتمناها قراصنة "العصر الذهبي": مخاطر قليلة وغنائم كثيرة.
سحر بعاصيري

شيركوه
12-01-2008, 07:25 AM
شو ابو الليل عملنا قراصنة
بس انا بدي حط وحدة على عيني ههههه

مقال ممتع

السلام عليكم :)

خفقات قلب
12-01-2008, 08:54 AM
فعلا المقال ممتع..
شيركوه كان ببالي أقولك تصلح قرصان..كويس انها طلعت منك:D

شيركوه
12-01-2008, 01:34 PM
فعلا المقال ممتع..
شيركوه كان ببالي أقولك تصلح قرصان..كويس انها طلعت منك:D


حسد ولا ضيقة عين؟؟؟!!!