تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : سلمان



بشرى
05-26-2003, 09:59 AM
سلمان الفارسي ورحلته إلى الإيمان:
لم يكن الصحابي الجليل الذي نتحدّث عنه متحدّرا من عائلة مسلمة مؤمنة، بل لم يكن أصلا وليد الجزيرة العربية، إنما تعتبر قصة سلمان الفارسي أطول رحلة في الزمان والمكان إلى حقيقة الإيمان وطاعة رب الأكوان كما تمثل هذه القصة رمزا واضحا للتصميم والصبر والبحث عن المعرفة المطلقة المتمثلة بعبادة الإله الواحد المختلجة في أعماق الفطرة الإنسانية. كان سلمان فارسي الأصل، مجوسي العقيدة، بل كان من أسياد قومه والمسؤول عن إشعال النار لكي يعبدها الناس. إلا أن هذا الإنسان العاقل المفكر كانت تزداد فيه يوما بعد يوم قناعة بأن هذا الكون لا بد له من مدبّر غير تلك النار التي ستنطفئ إن لم يشعلها بنفسه وبدأ هذا الباحث سفره طالبا الحقيقة فوصل إلى بلاد الشام ودخل كنيسة عمل فيها خادما فترة طويلة التقى خلالها براهب يدين بدين النصارى الحق، فقال له الراهب: "أنا من القلة القليلة الباقية على الحق، فالزم دين الحق واعلم أننا ننتظر ميلاد الرسول خاتم الأنبياء وعيسى عليه السلام بشّر به، يُبعث في تهامة، واحفظ أنه لا يأكل الصدقة، ويقبل الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإن أدركته أقرئه مني السلام". وظلّ سلمان مع الراهب 10 سنوات يستمع إليه وهو يحدث الناس بمواعظ رقيقة رقّ لها قلبه ولكن المنية وافته وكان آخر ما حدّث به سلمان هو أن أرشده إلى رجل يُدعى يعقوب في نصيبين دلّه بدوره إلى راهب في عمورية يُدعى إندراوس. وهكذا خبأت الأقدار لسلمان مصاعب ومشاق لعل أعظمها أن الزمان كان يمر بطيئا جدا على قلب سلمان المفعم بالحب والشوق لمعرفة الحقيقة. ثمّ توفي اندراوس بعد أن دلّ سلمان إلى جريج الذي أخبره بدوره بأن النبي سيبعث في الحجاز فما كان من هذا المشتاق إلا أن التحق بقافلة مسافرة إلى الحجاز اصطحبته مقابل كل ما يملك بل بلغ به البلاء أن غدرت به القافلة وباعته إلى رجل يهودي باعه بدوره إلى آخر أكثر لؤما وغلظة وتعنتا، يظلمه ويفرط في استخدامه وتشغيله حتى جاء اليوم الموعود وبُعث النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة حيث يعمل سلمان وإذ به يوما على رأس نخلة يقتلع الثمار ومولاه اليهودي يجلس تحته، جاء ابن عم اليهودي هاتفا بأن نبي آخر الزمان بُعِث.. فسأله اليهودي بلهفة: أهو النبي الموجود في كتبنا؟ أجابه: نعم- قال: أو تؤمن به؟ قال: لا، كيف وهو ليس منا؟؟!!
وكان سلمان يسمع بأذنيه ولكن قلبه يرتعش رهبة ورغبة وحبا وسرورا واطمئنانا بعد بحث دام عشرات السنين، فأي صبر وأي امتحان وأي تصميم على اعتناق المبادئ السامية. كل ذلك حمله سلمان معه إلى النبي عليه الصلاة والسلام يتأكد من علامات نبوته ليكشف له الصادق المصدوق عن خاتم نبوته فيعتنقه سلمان ويقبّله ويبدأ رحلته من جديد في أبواب الجهاد والإيمان واليقين حتى استحق أن يكون من أهل البيت الطاهرين..
فيا حبّذا لو بحث كلٌّ منا عن الحقيقة ويا حبّذا لو صبر وجاهد في سبيل ذلك ويا ليت الزمان يخرج الآلاف من أمثال سلمان الذين يستعملون عقولهم لبلوغ الحق وسلوك الصراط المستقيم.. اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سببا فيمن اهتدى... اللهم آمين.. آمين..