تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : حكايتي.. مع خرفان طفولتي



Saowt
04-27-2006, 10:19 AM
مضى على «مأساة» مواجهتي مع كبش العيد قرابة خمسة وستين عاما (أكيد عرفتوا انو منقول)، ومع ذلك ما زلت أتميز ضيقا وغيظا كلما رأيت كبشا ذا قرنين. ولو كنت أملك القدرة والشجاعة لهجمت على كل كبش وخلعت قرنيه، أو حطمتهما، ولكنها عقدة الخوف من القرون. وهي عقدة ما زالت تتحكم فيّ من أيام الطفولة الباكرة، أي من قرابة خمسة وستين عاما بسبب مأساة كان للخراف دور البطولة فيها، ولأبدأ الحكاية من أولها:

أما تاريخ المأساة فهو السادس من ذي الحجة 1357 هـ (27 من يناير/كانون الثاني 1939م)، كان سني يقترب من الخامسة. وقبل يوم المأساة بقرابة أسبوع اشترى والدي كبشين كبيرين أقرنين دفع فيهما ستة جنيهات كاملة لذبحهما في العيد. وفي حارتنا بجانب بيتنا دق لهما في الأرض وتدين خشبيين متجاورين، وفي رقبة كل كبش حبل متوسط الطول يتصل بوتده، ووضع أمامها صندوقا خشبيا وضع فيه "العلف". زيادة على إناء فيه ماء.

لا أستطيع أن أعبر عن سعادتي بالخروفين، وإن كانت سعادتي يقطعها مسحة من الحزن كلما تذكرت عبارة والدي "لازم نعلفهم كويس علشان ندبحهم في العيد"، وأصبح من الصعب علي أن أتصور أو أتخيل غيابهما عنا. لقد استجاب الخروفان لي ولشقيقتي، ولا شك أنهما يبادلاننا حبا بحب، بدليل أنهما يتناولان العلف من أكفنا الصغيرة، وكذلك بعض أعواد البرسيم، ولا شك أنهما كانا يبادلاننا السعادة ونحن "نملّس" على رقبة كل منهما، وندلك ظهره، وأذكر أنني حاولت ذات يوم أن أركب أحدهما بمساعدة شقيقتي فنهرني والدي بشدة:

"أوعى تعمل كده تاني... لو عملتها حينطحك، ويسيحّ دمك". واستجبت لأبي فلم "أعملها تاني" وأذكر كذلك أننا -أنا وشقيقتي- كدنا نطير من الفرح.. عندما رأينا خروفينا يسجلان انتصارا باهرا على كبش عمي مسعد الذي جاء من آخر الحارة حيث يسكن عمي، ويظهر أن الجوع "قرصه"

فحاول أن يشارك كبشينا "علفهما" فثارا عليه ثورة غير "ميمونة"، وأخذا يسددان إليه دفعات من القرون "الموجهة"، ولم يتركاه إلا بعد أن جاوز مقره خوفا وفزعا.

وشعرت بالزهو وأنا أراهما يعودان إلى موقعهما في وقار وخيلاء، وضحكت أنا وشقيقتي ونحن نراهما بحبليهما.. وفي نهايتهما "الوتدان" اللذان لم يصمدا، فاستسلما وانخلعا للكبشين الناقمين الثائرين على الغازي المعتدي. وأضطر أبي إلى ربطهما في وتدين آخرين أطول من السابقين، ولم يكتف بذلك بل أعطى وتداً مثلهما لعمي مسعد، وطلب منه أن يربط فيه خروفه، بعد ان يدق الوتد عميقا في الأرض لأنها "أرض مايعة" على حد قوله.

وأويت إلى فراشي وأنا أستشعر السعادة الغامرة بالنصر الذي أحرزه كبشانا، ورأيت فيما يرى النائم أني أركب أحدهما، وأنا أميل بصدري ممسكا بقرنيه من الخلف، ولم أشعر بالخوف وهو يطير بي فوق منازل حارتنا، ونظرت إلى أسفل فرأيت كبشنا الثاني -في حجمه الطبيعي- ينظر إلينا، وكأنه ينتظر دوره لأركبه كصاحبه، ونظرت إلى كبش عمي مسعد فرأيته في حجم كلب صغير، وقد نكس رأسه معلقا نظره بالأرض، عجبا.. لقد شغلت عن "الأعلى" بالأسفل.. وتغير شعوري من الأمن والسعادة إلى الخوف والفزع، وأنا أري الكبش يواصل صعوده حتى جاوز السحاب... وخشيت السقوط.. فقد انطلق الكبش بي إلى أعلى وهو في وضع رأسي.. وازداد تشبثي بقرنيه من الخلف.. وازداد فزعي. وأخذت أصرخ: "الحقوني.. انزل... انزل ـ كفاية كفاية".

ولم ينقذني إلا أمي التي أخذت تهزني إلى أن استيقظت.. وأخذتني في حضنها وهي تبسمل وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
"فيه إيه يا حبيبي..؟ ما تخافش.. دا كابوس وزال. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.."
وشعرت بالطمأنينة لأن ما حدث كان حلما لا حقيقة. ولكني لم أستطع أن أفسر الدموع الغزيرة التي ملأت عيني، وغمرت خدّيّ واستأنفت النوم، وبعد استيقاظي تناولت الإفطار على عجل، ونزلت إلى الخروفين بمفردي، وأخذت أملأ كفي اليمنى بحفنات العلف، فيتناولانها، وأنا أكثر منهما رضاء وفرحا، وبذلك تأكدت أن ما رأيته كان حلما مزعجا، ولم يكن حقيقة.. وأخذت أمرر يدي على ظهر أحدهما، وأقول في نفسي "على هذا الظهر ركبت وطرنا إلى السحاب"، واستدرت مواجها الخروف وأخذت أشد قرنيه إلىّ بقوة وأحّدث نفسي "لولا أمساكي بهذين القرنين، لسقطت على الأرض. ومت".

ولتأكيد اعترافي بالجميل اشتد جذبي للقرنين نحوي. وفجأة أخذ يهز رأسه بشدة يمينا ويسارا، حتى خلص قرنيه من قبضتيّ الصغيرتين، وفي لمح البصر نطحني في صدري نطحة طرحتني أرضا، ونهضت، وتراجعت إلى الخلف عدة خطوات. وفي لمح البصر رأيته يخلص عنقه ورأسه من الحبل الذي لم يُحكم ربطه، وسدد إلى نطحة أخرى، أخفقت كفاي في اتقائها، حاولت أن أصرخ، ولكني عجزت عن ذلك تماما، فقد التصق لساني من الرعب بحلقي، وأحسست أن قدرتي الصوتية قد تجمدت تماما. وتوقف منشغلا برفيقه الذي كان -على ما يبدو- مؤمنا بفضيلة التعاون، فتمكن من قطع حبله لحظة نهوضي من سقطتي، وصرت أواجه كبشين لا كبشا واحدا.

وأثناء انسحابي المهزوم رأيت كبش عمي مسعد مضطجعا على جنبه الأيمن فتظاهر بأنه مشغول بالتهام بعض عيدان البرسيم، وكأنه يعلن أنه اتخذ قرارا فوريا بالحياد، وعدم الانحياز "بعد العلقة" التي أكلها من يومين.

كانت الحارة خالية من البشر تماما، فاليوم يوم جمعة، والناس لا يستيقظون من نومهم إلاقبل الصلاة بساعة أو ساعتين. ولا يُسمع في حارتنا إلا صوت "بُمْ"... صوت النطحات المسددة إلى صدري.. فلم أشعر بأي وجع وألم، وحاولت النهوض من آخر سقطة، ولكني عجزت عن الوقوف.. فوجه أحد الكبشين نطحة إلى وجهي، فأحسست أن أنفي قد تحول إلى جمرة من نار، وأحسست أن دما دافئا يتدفق إلى ذقني وعنقي، ولكني أقول الحق أن هذه النطحة فكّتْ عقدة صوتي، ومنحتني قدرة فائقة على الجري... وارتميت على باب "أم محمد"، وأنا أصرخ صراخا باكيا...

نفتح الباب عن الأرملة الطيبة، وأخذتْ تطلق عبارات الاستغاثة بالجيران، وهي تتلقفني بذارعيها.. وما زلت أذكر من كلماتها التي أدخلت بعض الطمأنينة إلى نفسي "يا حبيبي... يا ابني... يا ضنايا... يا حتة من قلب أمك".

وللحق أيضا شعرت بأنني صرت خفيفا جدا... وأن كل شيء صار في عينيّ.. غائما شبحيا، حتى نور الصباح، ورأيتني أطير... فوق سطوح حارتنا... وتجاوزت السحاب في طيراني... دون الاستعانة بأجنحة... أو خروف.

وأفقت من غيبوبتي... لأجدني على سريري الصغير وقد لُف رأسي في شاش كثيف، وذارعي اليمني في الجبس، وحول سريري الصغير والداي وأعمامي وكثير من أقاربنا... ووجدتني أجهش بالبكاء، وأنا أقول لأبي:
"ـ النهارده تموتْهم.. ضروري تموتهم...
ـ حاضر... خلاص حموّتهم النهارده...
ـ لا... قبل ما تموتهم اربطهم كويس... وهات خروف عمي مسعد ينطحهم، ويكسر قرونهم... وبعد كده تضربهم جامد.. قبل ما تموتهم...
ـ حاضر... كل ده.. حيحصل النهارده إن شاء الله".

وكان هذا أول عيد أضحى لم يدخل بيتنا فيه لحم الضأن. بعد أن تخلص أبي منهما، وذلك بتسليمهما لخالي الذي كان يسكن في حي بعيد.

فـاروق
04-27-2006, 10:55 AM
(أكيد عرفتوا انو منقول)

لماذا؟

نستطيع ان نعرف انه منقول من هذه العبارة

" ستة جنيهات كاملة" لان العملة اللبنانية هي الليرة :)

من هناك
04-27-2006, 08:03 PM
اكيد عرفنا لأنه لو لم يكن منقولاً لكان من خمسة وتسعين عاماً او اكثر :)

Saowt
04-27-2006, 08:09 PM
تعجز الكلمات عن التعبير..
ردود!!!! ولا في منتديات العجائب!!!
شو هيدي؟ يا رايح كتّر ملايح؟؟؟

فـاروق
04-27-2006, 08:25 PM
اضحك الله سنك يا بلال....ما عم اقدر وقف ضحك.....يا لطيف شو سميك..

=======

اخت صوتة...للصراحة انتي جبتيها لحالك...شو كان بدك بهالجملة....

على كل انت صدرك رحب...

Saowt
04-27-2006, 08:32 PM
فكرت حالي استدركت الأمر حتى ما حدى يسألني منقول أو ...
بس شو طلعتوا؟؟
تبارك الخلّاق!!!

mohammad
04-28-2006, 01:17 AM
هل تعلمون كيف استنتجتُ أنا أن الموضوع منقول؟؟؟

فـاروق
04-28-2006, 05:25 AM
كيف؟ :) :)

Saowt
04-28-2006, 12:47 PM
أتحفهم..
يبدو أنها طريقة جديدة...
بركي منجيب شي محلل نفسي عالمنتدى يقرأ هالردود ويبلش يحلحل ما يجده

فـاروق
04-28-2006, 02:57 PM
بس عنجد الردود كتير لطيفة :)

بس مش لطيفة التونسية...وحدة تانبة

من هناك
04-28-2006, 07:43 PM
انا فكرت الردود ظريفة (المصطلح شامي وليس لبناني)

Saowt
05-01-2007, 08:36 PM
ولله في خلقه شؤون!!

من قلب بغداد
05-02-2007, 01:08 PM
ما مناسبة رفع الموضوع ؟

من هناك
05-02-2007, 04:09 PM
بدأنا نخرف :)

lady hla
05-02-2007, 05:30 PM
......... السلام عليكم ........



....... سبحان الله ما أسرع مرور الأيام والسويعات والدقائق واللحظات ........!!.....


سلامي اليك
lady hla
القدس

Saowt
05-02-2007, 07:22 PM
بدأنا نخرف :)
بدأنا؟؟؟
يعني بس من فترة قصيرة بدأت؟؟؟
الله يبشرك بالخير

شيركوه
05-21-2007, 04:00 PM
السلام عليكم

ولكن محمد لم يقل لنا كيف عرف انه منقول

السلام عليكم